مِن وراءِ حِجاب

باب حي سكني يظهر من خلف ستارة شفافة مع نوافذ الجيران في مشهد نوستالجي هادئ.
هي أقرب عبارة تبادرت إلى ذهني وأنا أتابع قراءات التاريخ وتصرفات الناس حولي، فبعد أن نشأتُ في حارة من حارات مكة التي كانت تضج بالحياة في أواخر الثمانينيات.  حيث كانت جارتنا هي (خالتي) التي لم تلدها جدتي، وكانت السعادة تتراقص في قلب أمي، عندما تسمع لعثمة ابنة الجيران : “أمي تسلم عليكِ وتقلك أعطينا طماطم..” . وأطباق جارتنا (الخالة نورة) الشهية التي كنتُ أترقب رمضان بعد رمضان، لأستلذ بها وهي تمدها لي بعد أن ناولتها أطباق أمي التي لا تقل عنها براعة في لحظاتٍ عاشها أغلب أبناء جيلي. كان الجار بمقام الأب والأخ الأكبر، فتوبيخه لا يحاسَب عليه ولو وصل في أقصاه إلى الضرب التأديبي، فلكل جارٍ هيبته واحترامه. وللأسف؛ بتّ اليوم أشاهد داء الصمت والانعزال الذي عمّ البيوت، فقد توفيت (خالتي) ولم تعد ابنة جارنا الجديد -الذي جاورناه في هذا الحيّ الجديد- تطرق بابنا، بل لا نكاد نعرف العصاري النسائية وقد غدت ذكرى عتيقة. ولا يخفى عليك ضياع هيبة الجار حتى غدى غريبًا لا نعرف وصفًا له إلا بما يركب من سيارة أو ماعتدناه منه من ملبس ونحوه، فصار سلام (الحواجب) أقصى مانعرفه عن ذلك الجار، وبانتشار وسائل التقاطع الاجتماعي زادت العزلة حتى ظهرت لنا مواقع التواصل المجهول -كما أحب أن أسميها- فواحدة للسؤال (ask.com) وأخرى لاستقبال رسائل بصيغة المجهول (sayat.me) ولعل العدوى انتشرت ومامن دواء. فصرتَ تجدني أشارك أصدقائي-الذين أعرف خصوصياتهم أكثر من معرفتي لحياتهم العامة- رابط حسابي ليعبروا لي عن آراءهم بصفة المجهول. فلعلنا اكتفينا من الواقع الواضح الملامح لنرضى بهذه الخوارزميات التي يسّرت لنا الحديث ولو (من وراءِ حجاب)  ولا أدري؛ هل سنموت أحياءً أم أننا سنقضي الحياة من وراء حجاب ؟

اكتب تعليقًا