وصل تحديث «اكتشاف الصمت المريب» إلى هواتف الناس عند الثانية بعد منتصف الليل.
وكان هذا توقيتًا مناسبًا لإطلاق المزايا السيئة. معظم المستخدمين نائمون. والهاتف يستطيع أن يتغير بهدوء بينما صاحبه لا يزال يعتقد أن العالم كما تركه قبل النوم.
في الصباح، ظهر شرح قصير على شاشة VERO:
أحيانًا يكون الامتناع عن الإجابة أكثر دلالة من الإجابة الكاذبة.
تفعيل الحماية المتقدمة
ربما لاحقًا
أما ناصر، فقرأ العبارة أكثر من مرة.
ثم اختار:
ربما لاحقًا
قد يؤدي عدم التفعيل إلى تقليل دقة تجربتك ورفع مستوى المخاطر المحيطة بك.
ثم ضغط مرة أخرى:
ربما لاحقًا
هل أنت متأكد أنك لا تريد معرفة ما يخفيه الآخرون؟
نعم
لماذا؟
أثق بمن حولي.
لا أحتاج الميزة الآن.
لدي مخاوف تتعلق بالخصوصية.
سبب آخر.
اختار ناصر:
لدي مخاوف تتعلق بالخصوصية.
فطلب منه التطبيق أن يشرح مخاوفه.
حدق في الشاشة لثوانٍ.
ثم أغلق الهاتف.
بعد دقائق، وصل إشعار:
تم تسجيل رفضك للميزة.
قرأ كلمة:
رفضك
مرة أخرى.
كانت هذه أول مرة يشعر فيها ناصر أن كلمة رفض مكتوبة كما لو أنها ليست قرارًا.
بل ملاحظة ستبقى في ملفه.
لم تحتج الميزة إلى وقت طويل حتى تثبت فائدتها.
أو ضررها.
بحسب المكان الذي تقف فيه.
في أحد المقاطع المنتشرة، جلست امرأة أمام زوجها وهاتفها في يدها.
سألته:
| مين كانت تكلمك الساعة اثنين؟
لم يجب.
حدق فيها فقط.
بعد ثوانٍ، ظهر على هاتفها:
صمت مرتبط بارتفاع مفاجئ في التوتر. احتمال إخفاء مرتفع.
اتسعت عيناها.
قال الزوج بسرعة:
| زميلة في العمل.
«تييييت.»
انتهى المقطع هناك.
قبل أن يشرح من هي الزميلة.
أو لماذا اتصلت.
أو ماذا حدث أصلًا.
كان ذلك كافيًا ليحصل الفيديو على ملايين المشاهدات.
وفي مقطع آخر، جلس أب أمام ابنه.
سأله:
| تدخن؟
صمت الابن.
ظهر على الشاشة:
الصمت يشير إلى سلوك يخشى المستخدم كشفه.
كان الفتى يدخن فعلًا.
اعترف بعدها.
انتشر المقطع بوصفه دليلًا جديدًا على دقة VERO.
الناس شاركوه مع عبارة:
| شفتوا؟ حتى السكوت صار يكشفهم.
وصار المقطع إعلانًا مجانيًا للميزة.
لكن لم ينتشر المقطع الآخر.
لفتى آخر سأله أبوه:
| تدخن؟
فسكت.
ظهر التنبيه ذاته تقريبًا.
لكن الفتى لم يكن يدخن.
كان يخفي شيئًا مختلفًا.
نوبات هلع تصيبه منذ أشهر.
وكان يخشى أن يخبر والده، لا لأنه مذنب، بل لأنه توقع أن يسخر منه.
VERO لم يعرف الفرق.
رأى التوتر.
ورأى الصمت.
ورأى شيئًا مخفيًا.
ففعل ما صُمم التحديث لفعله:
عامل الصمت كأنه اعتراف.
لم ينتشر مقطع الفتى الثاني.
لم يكن مثيرًا بما يكفي.
لم تكن فيه لحظة انتصار للتقنية.
ولا أب يقول:
| قلت لكم.
ولا اعتراف يمكن وضعه في نهاية الفيديو.
السوق لم يكن مهتمًا كثيرًا بالحالات التي تخطئ فيها الآلة.
يكفي أن تصيب مرة واحدة أمام الكاميرا.
عند الإفطار، كانت مها تحدق في شاشة هاتفها.
قال ناصر:
| فعلتِ الميزة؟
| طبعًا.
| ليه؟
| لأنها مهمة.
| مهمة في إيش؟
| في معرفة اللي ما تبغى تجاوب عنه.
| وهذا حقك؟
| إذا الكلام يخصني، نعم.
| وكيف تعرفين إنه يخصك قبل ما تعرفينه؟
| سؤالي هو اللي يحدد.
ابتسم ناصر.
| يعني أي شيء تسألين عنه يصير من حقك؟
لم تجب مها.
صدر من هاتفها تنبيه خفيف.
«تن.»
صمت دفاعي.
نظر ناصر إلى شاشتها.
قالت مها:
| شفت؟
قال ناصر:
| شفت إن البرنامج ما يفهم السؤال البلاغي.
في تلك اللحظة، دخلت سارة وهي تربط شعرها.
قالت:
| المدرسة فعلت الميزة تلقائيًا.
| كيف تلقائيًا؟
| حساب المدرسة مرتبط بالتطبيق. ما أقدر أقفلها وقت الدوام.
قالت مها:
| أحسن.
| مو أحسن.
بدأت مها:
| اللي ما عنده شيء يخاف منه…
قاطعتها سارة:
| لا تكملينها.
| ليه؟
| لأنها جملة غبية.
لم يصدر أي تنبيه.
نظر ناصر إلى هاتفه.
ثم قال:
| التطبيق موافق.
لم تضحك مها.
ومنذ أسابيع، صار الضحك في البيت يحتاج إلى إذن ضمني.
في المدرسة، تغيرت الأسئلة.
لم تعد المعلمات يسألن:
| مين ما حل الواجب؟
يكفي أن تصمت الطالبة في اللحظة الخطأ.
| افتحن VERO.
| فهمتِ الدرس؟
| تقريبًا.
| يمكن.
| أعتقد.
| على حسب.
| إلى حد ما.
في وقت قصير، بدأ جيل كامل من الطالبات يتحدث مثل خبراء الاقتصاد.
أما رهف، فلم تعد إلى المدرسة.
قالت الإدارة إنها انتقلت إلى مدرسة أخرى.
وقالت بعض الطالبات إن أباها منعها من العودة.
وانتشرت رواية ثالثة تقول إن الجهات المختصة تدخلت بعد المقطع.
لم يعرف أحد أي رواية صحيحة.
لكن ذلك لم يمنع أحدًا من مناقشتها.
في إحدى الاستراحات، فتحت سارة حساب رهف على VERO.
كان آخر نشاط لها قبل خمسة أيام.
ظهرت آخر عبارة كتبتها:
| أنا بخير. لا تسألوني.
وتحتها تقييم VERO:
عبارة متعارضة مع الحالة الانفعالية.
في الشركة، اعتمدت الإدارة التحديث فورًا.
ومع النسخة المؤسسية من VERO، أصبح الامتناع عن الإجابة يخفض مؤشر النزاهة بضعف النسبة السابقة.
كان ناصر قد رفض تفعيل الميزة في حسابه الشخصي.
لكن في العمل، لم يكن هو من يحدد قواعد التقييم.
وصل مؤشره إلى:
31٪
واختفى اسمه من المنطقة البرتقالية.
صار أحمر.
استدعته ريم.
قالت:
| أنت في المنطقة الحمراء.
| لاحظت.
| نحتاج خطة تحسين.
| لتحسين إيش؟
| انفتاحك المهني.
| أنا أؤدي عملي.
| أداؤك جيد.
| أجل المشكلة؟
| ما تتعاون مع النظام.
| النظام موظف جديد؟
| أنت دائمًا تحول الموضوع لسخرية.
| لأنها أرخص من العلاج النفسي.
«تن.»
ظهر على شاشة جهاز ريم:
سخرية تحمل اعتقادًا حقيقيًا.
قالت ريم:
| ترى حتى مزحك صار واضح.
قال ناصر:
| كان واضح قبل التطبيق. أنتم بس ما كنتم تنتبهون.
قالت:
| عندك خيارين: برنامج إعادة المواءمة، أو مراجعة وضعك الوظيفي.
| إعادة المواءمة مثل دورة بدر؟
| مو دورة. برنامج معتمد.
| يعلموني كيف أقتنع إني سعيد؟
| يساعدونك في إزالة التناقضات الداخلية.
| وعندكم برنامج للإدارة؟
لم تجب ريم.
بقيت تنظر إليه.
لكن جهازها كان يعمل بالميزة المعتمدة.
«تن.»
صمت متعمد لتجنب إجابة محرجة.
نظر ناصر إلى الشاشة.
ثم إلى ريم.
وقال:
| المنطقة الحمراء مناسبة لكم أيضًا.
في تلك الليلة، اجتمعت مجموعة «حق الستر» مرة أخرى.
هذه المرة، لم يكونوا سبعة عشر شخصًا.
صاروا اثنين وأربعين.
جاء بعضهم لأنهم فقدوا وظائفهم.
وجاء آخرون لأن علاقاتهم انتهت.
وجاء رجل لأن VERO كشف أنه لا يحب زوج ابنته.
لم يفهم ناصر تمامًا لماذا يعتبر الرجل ذلك قضية حقوقية.
قرأ عبدالرحمن:
| نحن لا ندعو إلى الكذب، ولا نحمي الخيانة أو الجريمة أو الظلم. نطالب بحق الإنسان في الاحتفاظ بمشاعره وأفكاره ومخاوفه التي لا يترتب على إخفائها ضرر مباشر على الآخرين.
قال المحامي:
| عبارة «ضرر مباشر» مطاطة.
قال الطبيب النفسي:
| كل شيء ممكن يسبب ضررًا نفسيًا لشخص ما.
قالت المعلمة:
| إذا جلسنا نبحث عن تعريف كامل لكل كلمة، ما راح ننشر شيء.
قالت أمينة:
| الستر مو بطانية تغطي فيها ظلمك.
أومأ ناصر.
قال عبدالرحمن:
| هذا بالضبط اللي لازم نوضحه.
استدار إلى اللوح.
وكتب:
الستر يحمي الضعف، ولا يحمي العدوان.
ظل ناصر ينظر إلى الجملة.
كانت جميلة.
والجمل الجميلة خطرة أحيانًا؛ لأنها تبدو واضحة جدًا، حتى تبدأ في محاولة تطبيقها.
قال:
| ومن يقرر الفرق بين الضعف والعدوان؟
لم يجبه أحد.
لأن الحركة التي أرادت أن تعيد للإنسان حقه في الغموض، بدأت تكتشف أنها تحتاج هي الأخرى إلى إجابات واضحة.
نهاية الفصل السابع
ماذا يحدث عندما يتحول الدفاع عن حقك في الستر… إلى قضية عامة يُطلب منك الدفاع عنها أمام الجميع؟
الفصل الثامن قريبًا…
رواية بسّام نوّاب
أعجبتك VERO؟
شارك الفصل
اكتشف روايتي “اورورا” عبر دار تشكيل

تعليق 1