لم يكن أبو خالد رجلًا كاذبًا.
كان فقط متزوجًا منذ واحد وثلاثين عامًا، وهذا يجعل الصدق الكامل نشاطًا عالي الخطورة، لا يُنصح بممارسته من دون استعداد مسبق ومخرج قريب.
يسكن أبو خالد في الشقة المقابلة لشقة ناصر. رجل متقاعد، تجاوز الستين بقليل، ويعيش يومه وفق نظام ثابت لم يتغير منذ سنوات.
يخرج إلى المسجد قبل الأذان بعشرين دقيقة، ويعود بعد الصلاة بأربعين دقيقة؛ لأنه يعرف أن الصلاة محددة الوقت، أما العودة إلى البيت فليست كذلك.
يمر أحيانًا على البقالة ولو لم يحتج إلى شيء.
يشتري قارورة ماء، أو علبة مناديل، أو يقف أمام رف البطاريات متظاهرًا بالمقارنة بينها. لم يكن يحتاج إلى البطاريات غالبًا، لكنه كان يحتاج إلى عشر دقائق إضافية قبل أن يعود.
زوجته أم خالد امرأة طيبة.
ومعنى طيبة هنا أنها كانت تهتم بالتفاصيل، وتسأل عنها، ثم تغضب عندما لا تأتي الإجابة بالشكل الذي توقعته.
أنجبا ثلاثة أبناء، كبروا وغادروا المنزل الواحد بعد الآخر. تزوج خالد وانتقل إلى الرياض، وسكنت ابنتهما الكبرى في حي آخر من المدينة، أما أصغرهما فكان يدرس خارج المملكة.
وبقي الزوجان وحدهما.
في البداية، ظنّا أن رحيل الأبناء سيمنحهما الهدوء.
ثم اكتشفا أن الضجيج كان يحميهما من أشياء كثيرة.
من الأسئلة المؤجلة.
ومن الذكريات التي تختلف روايتها بين شخصين عاشاها معًا.
ومن الصمت الطويل الذي يجعل الإنسان يتذكر فجأة موقفًا حدث منذ سنوات مضت، ثم يقرر أن هذا هو الوقت المناسب لمناقشته.
طلبت أم خالد من جارتها أن تحمل لها تطبيق VERO على جوالها، بعد أن أخبرتها إحدى قريباتها بأن زوجها أخفى عنها زواجًا ثانيًا مدة سبع سنوات.
لم يكن أبو خالد متزوجًا بامرأة أخرى.
ولم يفكر جديًا في الزواج بامرأة أخرى.
لكنه، منذ أن سمعت أم خالد القصة، صار يتلقى العقوبة نيابة عن ذلك الرجل.
في مساء اليوم الأول، سألته:
| لو تزوجت عليّ، تقول لي؟
أجاب:
| أنا أصلًا ما تزوجت عليك.
قالت:
| ما سألتك إذا تزوجت. سألتك لو تزوجت.
تأمل السؤال.
كان يعرف أن بعض الأبواب لا ينبغي فتحها، حتى لو كان الشخص يقف أمامها بريئًا ويحمل المفتاح الخطأ.
قال:
| أكيد أقول لك.
صدر الصوت من هاتفه.
«تن.»
ظهرت العبارة:
وعد غير موثوق.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد أم خالد مهتمة بقريبتها ولا بزوج قريبتها.
أصبحت لديها قضيتها الخاصة.
قضت ليلتين تسأل أبا خالد عن مواقف متفرقة من زواجهما. بعضها حدث قبل ظهور الهواتف الذكية، وبعضها قبل أن يقرر البشر أصلًا أن الأجهزة يجب أن تشاركهم خلافاتهم العائلية.
وفي صباح الجمعة، وصل أبو خالد إلى نتيجة منطقية في نظره:
إن كان لا يستطيع إيقاف التحقيق، فعليه على الأقل إحضار شاهد.
طرق باب ناصر بعد الصلاة.
فتح ناصر الباب، فوجد جاره واقفًا أمامه بثوبه الأبيض، يحمل هاتفه بيد، ومسبحته باليد الأخرى.
لم يبدُ كمن جاء للزيارة.
بدا كمن جاء لتقديم بلاغ رسمي.
قال أبو خالد:
| يا ولدي، عندك وقت؟
كان ناصر قد استيقظ متأخرًا، ولم يشرب قهوته بعد. وكانت مها قد طلبت منه شراء بعض الحاجات قبل الظهر، بينما ينتظره راكان لإصلاح لعبة وعده بإصلاحها منذ ثلاثة أيام.
لم يكن لديه وقت.
قال:
| أكيد.
صدر الصوت من هاتف ناصر الموضوع على الطاولة قرب الباب.
«تن.»
ظهرت على شاشته:
مجاملة فورية.
نظر أبو خالد إلى الهاتف.
ثم نظر إلى ناصر.
| حتى أنت؟
تنحى ناصر عن الباب.
| تفضل يا عم.
دخل أبو خالد، لكنه لم يخلع نعليه عند المدخل بالطريقة المعتادة. وقف في المجلس لحظة، كأنه يخشى أن يطول بقاؤه فيضيع الوقت المتبقي له قبل الجلسة.
أشار ناصر إلى الكرسي.
| اجلس. خير إن شاء الله؟
جلس أبو خالد على طرفه، وبقي هاتفه في يده.
قال:
| أم خالد تبغى تسألني أسئلة.
جلس ناصر في المقعد المقابل.
| إيش نوع الأسئلة؟
نظر أبو خالد إلى باب الشقة، ثم خفض صوته.
| كل الأنواع.
| يعني عن إيش؟
| عن حياتنا.
| أي جزء منها؟
تنهد أبو خالد.
| من سنة خمسة وتسعين إلى اليوم.
صمت ناصر قليلًا.
كان يعرف أم خالد، ويعرف أن تحديد سنة البداية يعني أنها لم تجمع الأسئلة عشوائيًا. كان هناك ملف، حتى لو لم يكن موجودًا على الورق.
قال:
| وأنت إيش تبغاني أسوي؟
| تجلس معنا.
| ليه؟
قال أبو خالد بجدية:
| شاهد.
عقد ناصر حاجبيه.
| شاهد على إيش؟
اقترب أبو خالد قليلًا، وخفض صوته أكثر:
| لو حصل طلاق.
دخل ناصر شقة أبي خالد بعد دقائق.
كانت أم خالد تنتظرهما في المجلس.
جلست على الكنبة، وأمامها على الطاولة دفتر صغير مفتوح وقلم.
دفتر حقيقي من الورق.
كتبت فيه الأسئلة بخط يدها.
نظر ناصر إلى الدفتر، ثم إلى أبي خالد.
فهم لماذا أصر الرجل على وجود شاهد.
وضعت أم خالد كوب شاي أمام زوجها، ثم نظرت إلى ناصر.
| حيّاك الله يا ناصر.
| الله يحييك يا خالة.
قال أبو خالد:
| قلت له يجلس معنا شوي.
ردت أم خالد من دون أن ترفع عينيها عن الدفتر:
| الله يحييه.
جلس ناصر في طرف المجلس.
لم يكن يعرف الدور المطلوب منه بالضبط.
شاهد؟
وسيط؟
فتحت أم خالد VERO على هاتفها.
كان أبو خالد قد وافق مسبقًا على الجلسة المشتركة.
ظهرت اسماءهما على الشاشة.
عبدالله السالم — نورة السالم
وضعت الهاتف بينهما.
ثم فتحت الدفتر.
قالت:
| نبدأ؟
قال أبو خالد:
| يا أم خالد، عيب. الرجال موجود.
رفعت رأسها.
| أنت اللي جبته.
لم يجد ردًا مناسبًا.
قالت أم خالد:
| من سنوات، يوم رحنا الطائف، قلت لي إن الفندق ما كان فيه إلا غرفة تطل على المواقف.
نظر أبو خالد إليها.
| إيه؟
| كان فيه غرفة تطل على الجبل؟
حدق فيها لثانيتين.
ثم نظر إلى ناصر، وكأن وجود شاهد يفترض أن يجعل السؤال أقل غرابة.
| من فين أذكر؟
| جاوب.
| ما أذكر.
ظل VERO صامتًا.
ظهرت:
متوافق.
كتبت أم خالد شيئًا في الدفتر.
قال أبو خالد:
| إيش كتبتي؟
| ما يخصك.
كاد يسأل، ثم تراجع.
قلبت الصفحة.
| طيب. مرة نسيت ذكرى زواجنا وقلت لي بسبب ضغط العمل. كنت ناسي فعلًا؟
قال أبو خالد:
| أيوه.
«تن.»
رفعت أم خالد رأسها فورًا.
أما أبو خالد فنظر إلى الهاتف كأن الصوت صدر من شخص يعرفه شخصيًا.
ظهرت العبارة:
الإجابة منقوصة.
قالت أم خالد:
| كنت متعمد؟
| لا والله.
ظل الهاتف صامتًا.
| أجل؟
فكر قليلًا.
| كنت متذكر الصباح.
صمت.
| وبعدين نسيت.
ظهرت:
متوافق.
قال أبو خالد بسرعة:
| شفتي؟
حدقت فيه أم خالد.
| يعني لما قلت لي إنك كنت ناسي طول اليوم، ما كان صحيح.
| يا أم خالد، نسيت بعدين!
| بس كنت متذكر الصباح.
| طيب وش الفرق؟ النتيجة وحدة.
| الفرق إنك قلت شيء ثاني.
رفع أبو خالد كوب الشاي.
| الله المستعان.
انتقلت إلى السؤال التالي.
تغيرت نبرتها قليلًا.
قرأ ناصر التغير قبل أن يسمع السؤال.
| هل ندمت يوم تزوجتني؟
أنزل أبو خالد الكوب.
لم يتوقع السؤال.
ولا ناصر.
نظر الرجل إلى زوجته وقال فورًا:
| لا.
«تن تن.»
سقط الصمت على المجلس.
نظر أبو خالد إلى الهاتف.
ظهرت:
إجابة مطلقة.
قالت أم خالد بهدوء:
| ندمت؟
رفع أبو خالد يديه.
| يا أم خالد، كل الناس تندم في بعض الأيام!
لم يصدر تنبيه.
| السؤال مو عن بعض الأيام. سألتك هل ندمت.
| طيب أيوه، يمكن في يوم عصبت وقلت يا ليتني ما تزوجت. هذا ما يعني إني نادم على زواجنا.
ظل VERO صامتًا.
قال أبو خالد:
| شفتي؟
لم تجب.
قال:
| وأنتِ؟ عمرك ما ندمتِ؟
رفعت أم خالد رأسها.
| أنا ما ندمت.
صدر صوت خفيف من هاتفها.
«تن.»
توقفت.
نظر أبو خالد إليها.
ظهرت على الشاشة:
تقليل متعمد.
ظل أبو خالد صامتًا.
وهذه كانت مشكلة.
لو ضحك، كان يمكن اعتبار الأمر مزحة.
ولو غضب، كان يمكنها مهاجمته.
لكنه فقط نظر إليها.
قالت أم خالد:
| يمكن مرة أو مرتين.
صدر صوت آخر.
«تن.»
ظهرت:
أكثر من ذلك.
وضع أبو خالد كوب الشاي على الطاولة.
| مرة أو مرتين؟
أغلقت أم خالد الدفتر.
| لا تقلب الموضوع عليّ.
مال إلى الأمام.
| هذا موضوعي من البداية!
| أنا اللي أسأل.
| وليه أنتِ تسألين وأنا ما أسأل؟
| لأنك أنت اللي—
| أنا إيش؟
نظر ناصر إلى الباب.
ثم إلى الساعة.
ثم إلى الباب مرة أخرى.
كان هناك لحظات يستطيع فيها الإنسان أن يفيد الآخرين بوجوده.
وهناك لحظات تصبح فيها أفضل مساهمة اجتماعية ممكنة هي أن يختفي.
وقف.
| يا جماعة، أنا أستأذن.
لم يلتفت إليه أحد.
قال أبو خالد:
| لا، اجلس. أنت شاهد.
قالت أم خالد:
| خله يروح.
نظر أبو خالد إليها.
| قبل شوي تبغين شاهد.
| أنت اللي جبته!
خرج ناصر بعد عشر دقائق، تاركًا خلفه أول شجار زوجي يعرفه تولّى فيه الهاتف الدفاع عن الطرفين وإدانتهما معًا.
في المصعد، أخرج ناصر هاتفه.
كانت أصوات أبي خالد وأم خالد لا تزال تصل إليه من خلف الباب، وتضعف مع كل طابق ينزل إليه.
فتح الشاشة.
ظهر أمامه خبر عاجل:
ارتفاع طلبات الاستشارات الزوجية بنسبة 340٪ منذ إطلاق VERO.
قرأ العنوان مرة ثانية.
ثم ظهر أسفله إعلان.
هل كشفت الحقيقة شريك حياتك؟
مستشارونا جاهزون على مدار الساعة.
استخدم كود: VERO20
ابتسم ناصر.
لم يعرف أيهما أسرع: انتشار المشكلة أم ظهور شخص مستعد لبيع حلها.
قبل أسابيع، كان الزوجان يتشاجران، ثم يتدخل قريب أو صديق أو يمران بيومين من الصمت حتى ينسى أحدهما سبب المشكلة.
الآن أصبح للخلاف تطبيق يكشفه، ومستشار يحلله، وكود خصم أيضًا.
فتح باب المصعد.
خرج ناصر وهو لا يزال ينظر إلى الإعلان.
كان الاقتصاد أسرع من الأخلاق دائمًا.
فور أن يخترع البشر مشكلة، يظهر شخص يعرض حلها باشتراك شهري.
نهاية الفصل الثاني
هل نريد فعلًا أن نعرف كل ما يخفيه أبناؤنا… أم أن بعض الصمت جزء من شعورهم بالأمان؟
رواية بسّام نوّاب
أعجبتك VERO؟
شارك الفصل
اكتشف روايتي “اورورا” عبر دار تشكيل

2 تعليقات