VERO — ما وراء الكلمات

غلاف رواية VERO — ما وراء الكلمات لبسّام نوّاب


عليك أن تحفظ ما قلته بالأمس، وأن تتذكر لمن قلته، وأن تضبط ملامحك حين تعيد القصة، وألّا تنسى أنك أخبرت زوجتك بأن الاجتماع انتهى في العاشرة، بينما أخبرت مديرك أنك غادرت المكتب في الثامنة لأن والدتك مريضة.

لهذا لم يكن معظم الناس يمارسون الكذب باحتراف.

كانوا يكتفون بالكذبات الصغيرة التي لا تحتاج إلى ذاكرة قوية، ولا إلى ملف إكسل، ولا إلى موظف موارد بشرية يتابع تناقضاتها:

| أنا في الطريق.

| ما شفت رسالتك.

| والله كنت باتصل عليك.

| الأكل لذيذ.

| ما تغيرت.

| الحمدلله بخير.

كان المجتمع يعمل بهذه الجمل بكفاءة معقولة.

لم تكن كل هذه الجمل محاولات لخداع الآخرين.

بعضها كان مجاملة.

بعضها كان تأجيلًا لمحادثة لا يملك صاحبها طاقة لخوضها.

وبعضها كان مجرد طريقة مهذبة لترك الحياة تمر دون أن نتوقف عند كل كلمة ونفتح داخلها تحقيقًا.

ثم ظهر VERO.

ولأن الأشياء التي تغير حياة الناس لا تدخلها عادة وهي تعلن أنها ستفعل، دخل التطبيق من الباب الذي تدخل منه معظم الكوارث الحديثة:

رابط أرسله شخص تثق به.


استيقظت على رسالة من أخي ماجد.

| حملته؟

كنت لا أزال ممددًا في فراشي، أحدق في الهاتف بعين واحدة، بينما كانت الأخرى تحاول إقناعي بأن العودة إلى النوم قرار أكثر نضجًا.

كتبت:

| أحمل إيش؟

جاء رده فورًا:

| تطبيق فيرو يا كائن الكهف.

ثم أرسل الرابط.

ضغطت عليه.

ظهر أمامي شعار بسيط: دائرة بيضاء كاملة، يتوسطها خط مستقيم. لم تظهر أي ملامح تجعل الدائرة تبدو ودودة أو عدائية.

فقط وجه بلا وجه.

وتحته:

VERO

“ما وراء الكلمات.”

قرأت الشعار مرتين.

كان من العبارات التي لا تشرح شيئًا، لكنها تجعلك تشعر بأن شخصًا يرتدي قميصًا أسود ويقف أمام شاشة ضخمة يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك.

كان عدد التنزيلات يتجاوز ثلاثة ملايين.

التقييم أربع نجوم ونصف.

فتحت التعليقات.

كتب أول مستخدم:

| خلاني أعرف إني ما أبغى أكمل خطبتي. جزاكم الله خيرًا.

أما الثاني فكتب:

| ممتاز، لكن أتمنى إضافة اللغة الهندية لأن السائق ينكر أنه أخذ الشاحن.

والثالث:

| التطبيق خرب بيتي. نجمة واحدة.

وجدت التعليق الأخير أكثر إقناعًا من البقية.

لكنني حملت التطبيق على أية حال.

البشر يتعاملون مع التحذيرات بطريقة غريبة. عندما يخبرك شخص أن مطعمًا سبب له تسممًا، لا تقرر الابتعاد عنه فورًا، بل تسأله:

| إيش طلبت؟

كأن المشكلة في اختياره للوجبة، لا في وجود بكتيريا قادرة على إسقاط فيل بالغ.

اكتمل التثبيت.

فتحت VERO.

طلب الإذن باستخدام الميكروفون.

وافقت.

ثم الكاميرا.

وافقت.

ثم الساعة الذكية.

وافقت.

ثم جهات الاتصال والموقع وسجل البحث والتطبيقات الصحية والملفات الشخصية المرتبطة بالحساب.

وافقت على كل شيء تقريبًا بالطريقة نفسها التي يوافق بها الناس على الشروط والأحكام: بسرعة الشخص الذي يثق بأن كارثة حقيقية لن تُكتب في صفحة طويلة لا يقرأها أحد.

توقفت عند إذن أخير:

السماح بالوصول إلى بيانات إضافية لتحسين نموذجك الشخصي.

ضغطت على التفاصيل.

ظهرت قائمة طويلة لم أكملها.

وافقت.

لم أعرف ما البيانات الإضافية التي بقيت لي بعد كل ذلك. ربما كان التطبيق يريد اسم أول فتاة أحببتها في المدرسة، وعدد المرات التي تظاهرت فيها بالنوم حتى لا أرد على مها، وموقفي الحقيقي من بعض أقاربي الذين أرسل لهم كل عيد:

| من العايدين، وكل عام وأنتم بخير.

ظهرت شاشة سوداء.

في وسطها الدائرة البيضاء، والخط الأسود ثابت داخلها.

سيبني VERO نموذجًا شخصيًا اعتمادًا على البيانات التي سمحت بمشاركتها.

النتائج مؤشرات احتمالية، ولا تمثل حكمًا قطعيًا على صدق العبارة أو كذبها.

ضغطت متابعة.

ظهر طلب جديد:

انظر إلى الكاميرا وقل ثلاث عبارات صحيحة.

اعتدلت في جلستي ومسحت وجهي بيدي.

لم أكن أعرف لماذا اهتممت بأن أبدو جيدًا أمام تطبيق بلا ملامح.

قلت:

| اسمي ناصر عبدالله السلمي.

تحرك الخط الأسود قليلًا.

ظهر:

متوافق.

قلت:

| عمري تسعة وثلاثون عامًا.

متوافق.

بقيت العبارة الثالثة.

كان بإمكاني قول أي شيء واضح.

أنني متزوج.

أن لدي طفلين.

أنني أسكن في جدة.

لكنني شعرت بأن التطبيق ينتظر شيئًا أقل سهولة.

قلت:

| أنا سعيد في حياتي.

تحرك الخط الأسود داخل الدائرة.

ثم صدر صوت قصير.

«تن.»

حدقت في الشاشة.

ظهرت النتيجة:

تعارض بسيط.

وتحتها:

قد لا تتوافق العبارة بالكامل مع البيانات الأولية والاستجابات الانفعالية المرصودة.

قرأتها مرة ثانية.

ثم ظهرت ملاحظة أصغر:

لا تتوفر بيانات كافية لتحديد سبب التعارض.

أغلقت التطبيق.

لم تعجبني طريقته في التعارف.

وضعت الهاتف بجانبي، وعدت إلى الوسادة.

بعد ثوانٍ، مددت يدي وأخذته مرة أخرى.

فتحت VERO.

كانت الدائرة البيضاء في مكانها.

صامتة.

وكأن شيئًا لم يحدث.

أما أنا، فقد بدأت أحاول معرفة أي جزء من جملتي لم يصدقه.


على مائدة الإفطار، كانت مها تغلق علبة طعام راكان وتضعها بجانب حقيبته، بينما تحاول سارة إقناعها بأن المدرسة سمحت للطالبات بإحضار هواتفهن.

من نافذة المطبخ لم نكن نرى البحر، لكن رطوبة جدة كانت تصل إلينا كل صباح كأن الكورنيش يقع خلف العمارة مباشرة.

قالت مها:

| المدرسة أرسلت أمس إن الجوالات ممنوعة.

قالت سارة:

| الرسالة قديمة.

رفعت مها رأسها.

| قديمة كيف وهي وصلت أمس؟

| يمكن أعادوا إرسالها بس. القرار تغير.

كانت سارة تتحدث بثقة المراهق الذي يعرف أن رفع الصوت قد يعوض أحيانًا عن نقص الأدلة.

قالت مها:

| وريني رسالة القرار الجديد.

أخذت سارة رشفة من الحليب، ثم نظرت إليّ.

كانت تلك النظرة التي يستخدمها الأبناء عندما يريدون من الأب أن يتدخل، بشرط أن يتدخل في صفهم.

قلت:

| يمكن فعلًا الرسالة قديمة.

صدر من هاتفي الموضوع بجوار كوب الشاي صوت قصير.

«تن.»

توقفت مها.

نظرت سارة إلى الهاتف.

أما راكان فواصل المضغ لثانيتين، ثم توقف هو أيضًا عندما أدرك أن الجميع توقفوا.

رفعت الهاتف.

ظهرت العبارة:

ترجيح بلا قناعة.

قالت مها:

| إيش هذا؟

| تطبيق حملته اليوم.

مالت سارة نحو الهاتف.

| إيش يسوي؟

| يحلل كلامي، ويقارن اللي أقوله بالبيانات اللي يعرفها عني.

قالت مها:

| يعني ليش رن الحين؟

نظرت إلى الشاشة.

| يقول إني مو مقتنع باللي قلته.

قالت سارة:

| يعني يعرف إن الرسالة قديمة أو لا؟

| لا. هو ما يعرف عنك ولا عن المدرسة. عرف بس إني قلت كلامًا وأنا مو مقتنع فيه.

قالت مها:

| يعني أنت عارف إنها غالبًا مو صادقة، ومع ذلك وقفت معها؟

| ما وقفت معها. قلت يمكن.

| لأنك ما تبغى وجع رأس.

كدت أقول لا.

لكن الهاتف كان أمامي، والدائرة البيضاء تراقبني بلا عينين.

قلت:

| صحيح.

بقي صامتًا.

نظرت سارة إلى الهاتف باهتمام جديد.

| طيب خله يحللني.

| ما يقدر.

| ليه؟

| لأنه ما يعرفك. يحتاج أولًا تبنين حسابك ونموذجك الخاص.

قالت مها:

| ولا تبنين شيء. يلا عندنا مدرسة.

قالت سارة:

| أنا بس أبغى أجرب.

| بعد المدرسة.

| يعني تعطيني جوالي؟

مدت مها يدها.

| أعطيني إياه أول.

| ماما!

| أعطيني إياه الان.

| طيب اسأل البنات أول.

| بعد المدرسة.

| كيف أسألهم بدون جوال؟

قال راكان:

| من الآيباد.

التفتت إليه.

| محد طلب رأيك.

| أنا أساعد.

أخرجت سارة هاتفها ووضعته في يد أمها، ثم نظرت إلى هاتفي كما لو أن VERO صُمم خصيصًا لإفساد صباحها.

قالت:

| التطبيق غبي.

لم يصدر شيء.

قلت:

| واضح أنها صادقة.

ضحك راكان.

وضعت مها هاتف سارة فوق الثلاجة، ثم ابتسمت رغم محاولتها الاحتفاظ بوجهها الجاد.

حتى سارة ضحكت أخيرًا.

أما أنا، فنظرت إلى VERO.

كان أول تنبيه يصدر داخل بيتنا قد كشف شيئًا بسيطًا جدًا:

لم أكن أريد معرفة الحقيقة.

كنت أريد فقط أن ينتهي النقاش قبل أن يبرد الشاي.


وصلت إلى المكتب بعد رحلة قصيرة استغرقت وقتًا يكفي لعبور مدينة صغيرة.

كان طريق الملك مزدحمًا كعادته، والسيارات تتحرك بالطريقة التي تتحرك بها الطوابير في الجهات الحكومية: كل واحد يعتقد أن الذي أمامه يتعمد تعطيله شخصيًا.

عندما دخلت القسم، اكتشفت أن VERO سبقني إليه.

كان بدر واقفًا وسط المكاتب، يحمل هاتفه أمام سالم، موظف المشتريات. حولهما تجمّع عدد من الزملاء، وكل واحد يمسك هاتفه كأنه حضر تجربة علمية ستنتهي بانفجار صغير.

قال بدر:

| قلها مرة ثانية.

قال سالم وهو يضحك:

| قلت لك ما أخذت دباسة مكتبك.

ظهر على هاتفي إشعار:

دعاك بدر إلى جلسة مشتركة.

ضغطت على الانضمام.

لم تكن الجلسة تسمح لهاتفي بتحليل سالم. كان كل حساب يحلل صاحبه، ثم يعرض للمشاركين النتيجة التي وافق صاحبها على مشاركتها.

كان سالم قد وافق.

ظهرت صورته داخل دائرة صغيرة، ثم صدر الصوت من هاتفه:

«تن.»

ضج القسم بالضحك.

ظهرت تحت اسمه عبارة قصيرة:

نفي غير مستقر.

قال بدر:

| رجّع الدباسة يا حرامي.

قال سالم:

| يا رجال، التطبيق يلخبط.

| أجل قل إنك ما أخذتها مرة ثانية.

نظر سالم إلى الموظفين حوله.

كان يستطيع الخروج من الجلسة، لكن الخروج في تلك اللحظة سيبدو أسوأ من الاعتراف بسرقة دباسة لا يتجاوز سعرها خمسة عشر ريالًا.

قال:

| ما أخذتها.

«تن تن.»

ظهرت:

تعارض متكرر.

تعالت الضحكات.

فتح سالم درج مكتبه وأخرج الدباسة.

رفعها أمامنا وقال:

| كنت بجربها بس.

صدر الإنذار الحاد من هاتفه:

«تييييت.»

ظهرت العبارة:

تبرير لاحق.

ضحكنا حتى خرج الأستاذ فهد من مكتبه.

كان في الخمسين، يؤمن بأن الضحك أثناء ساعات العمل علامة على وجود عدد زائد من الموظفين.

وقف عند الباب ونظر إلينا.

| إيش عندكم؟

رفع بدر هاتفه.

| نجرب فيرو.

تغير وجه فهد.

| هذي التطبيقات خراب بيوت. واللي يحملها ما عنده ثقة بنفسه ولا بالناس.

لم يصدر شيء.

قال بدر:

| أنت محمله؟

تردد فهد نصف ثانية.

| حملته، مجرد فضول.

أخرج هاتفه من جيبه.

ظهر بجوار اسمه شعار VERO الصغير.

قال سالم:

| ادخل الجلسة يا أستاذ فهد.

| أنا ما عندي وقت لألعابكم.

قال بدر:

| مجرد تجربة.

نظر فهد إلى الوجوه المحيطة به.

كان الرفض ممكنًا، لكنه كان سيجعل سبعة موظفين يتساءلون عمّا يخشاه مديرهم من تجربة لا تستغرق دقيقة.

ضغط على الدعوة.

ظهر اسمه في الجلسة.

قال فهد:

| دخلت، وبعدين! أنا ما عندي شيء أخفيه أصلًا.

صدر صوت واحد من هاتفه.

«تييييت.»

ظهرت أمامنا جميعًا:

تعميم غير واقعي.

ساد الصمت.

نظر فهد إلى شاشته.

ثم نظر إلى هواتفنا.

قال بدر:

| يمكن يقصد كل واحد عنده شي خاص، مو شرط يكون شي غلط.

نظر إليه فهد طويلًا.

لم أعرف هل كان بدر يحاول مساعدته، أم إنقاذ نفسه من الحرج.

أغلق فهد الجلسة.

| اجتماع بعد عشر دقائق.

استدار وعاد إلى مكتبه.

لم يضحك أحد حتى أغلق الباب.

بعدها انفجر القسم كله.

جلس سالم في مكانه، وأعاد دباسة بدر إلى مكتبه.

قال:

| ترى انا فعلًا كنت بجربها.

صدر من هاتفه، قبل أن يغلق الجلسة:

«تن.»

فعاد الضحك من جديد.


بعد عشر دقائق، كنا نقف أمام قاعة الاجتماعات نحمل هواتفنا.

كان الأستاذ فهد واقفًا عند الباب، وإلى جواره صندوق بلاستيكي صغير يُستخدم عادة لحفظ ملفات الضيافة. أشار إليه وقال:

| الجوالات هنا.

قال بدر:

| ليه؟

| لأننا داخلين اجتماع، مو بث مباشر.

وضع سالم هاتفه أولًا.

قال:

| أنا ما عندي شيء أخفيه.

نظرنا إليه.

ثم نظر هو إلى الهاتف الذي كذّبه قبل دقائق.

أضاف:

| بس ما أحب الإزعاج.

لم يصدر شيء.

قال بدر:

| تتعلم بسرعة.

وضعنا هواتفنا في الصندوق. قلبت جهازي على شاشته قبل أن أتركه، لكن شعار VERO ظل ظاهرًا على ساعتي.

خلعتها ووضعتها معه.

شعرت براحة صغيرة، كأنني تركت شخصًا كثير الأسئلة ينتظرني عند الباب.

دخلنا.

كانت القاعة تفصلها عن الممر جدران زجاجية معتمة، والهواتف موضوعة على طاولة لا تبعد أكثر من مترين عن الباب.

جلس فهد في رأس الطاولة.

نظر إلينا واحدًا واحدًا، ثم قال:

| اللي حصل برا غير مقبول.

لم يتكلم أحد.

| التطبيق هذا للترفيه، مو عشان يتحول المكتب إلى تحقيق.

نظر سالم إلى بدر.

خفض بدر عينيه إلى دفتره.

تابع فهد:

| عندنا شغل أهم. الشركة تمر بمرحلة ممتازة، والاشاعات المنتشرة عن تقليص الفريق مو صحيحة، والمطلوب من الجميع التركيز ورفع الإنتاجية.

انطلق من خلف الباب صوت خافت.

«تن.»

رفع سالم رأسه.

توقف فهد لحظة، ثم واصل كأنه لم يسمع.

| الفترة الجاية عندنا مشاريع جديدة، ونحتاج كامل الفريق، وما فيه أي سبب للقلق.

صدر صوتان متقاربان.

«تن تن.»

نظرنا إلى الباب.

قال فهد:

| الجوالات برا؟

قال بدر:

| نعم. بس واضح إنها سامعتنا.

رمقه فهد بنظرة طويلة.

كانت الهواتف تعرف أصوات أصحابها، والباب لم يكن عازلًا. لم تكن تحتاج إلى رؤية وجوهنا ما دامت تسمعنا بوضوح كافٍ.

قال فهد:

| المهم. نكمل.

فتح الملف أمامه.

| ارجع ااكد، فيه كلام منتشر عن إعادة هيكلة القسم. الكلام غير صحيح.

انطلقت عدة تنبيهات دفعة واحدة.

«تييييت.»

لم تأتِ النغمة من هاتف واحد.

كان صوتًا متداخلًا خرج من الصندوق كله، كما لو أن الأجهزة اتفقت على الاعتراض قبلنا.

ساد الصمت.

ثبت فهد نظره على الملف.

قال سالم:

| يمكن كل جهاز حلل صاحبه.

لم يرد فهد.

قال بدر بحذر:

| اقصد ممكن التطبيق فهم إنك مو متأكد، مايعني إن الكلام غلط.

رفع فهد عينيه إليه.

| أنا متأكد.

صدر من خلف الباب:

«تن.»

هذه المرة لم يتحرك أحد.

أغلق فهد الملف قليلًا.

| اللي أقوله إن ما صدر قرار رسمي.

بقيت الهواتف صامتة.

تنفس سالم ببطء.

أما بدر فكتب العبارة في دفتره، ربما لأنها كانت أول جملة آمنة في الاجتماع.

قال فهد:

| أي أخبار أو قرارات توصلكم من الإدارة مباشرة. وما أبغى أحد ينشر إشاعات أو يسأل أسئلة مالها داعي.

رفعت يدي.

نظر إليّ.

| نعم يا ناصر؟

| هل فيه دراسة لإعادة الهيكلة، حتى لو ما صدر قرار؟

تحرك فكه قليلًا.

| قلت لك ما صدر قرار.

| سؤالي عن الدراسة.

صدر من الخارج تنبيه خفيف.

لم أعرف هاتف من كان. ربما هاتفي، وربما هاتف فهد.

قال:

| كل الشركات تدرس خياراتها باستمرار. هذا شيء طبيعي.

بقيت الأجهزة صامتة.

أومأت.

كانت إجابة صحيحة، لكنها لم تجب عن السؤال.

قبل VERO، كان يمكن لجملة كهذه أن تمر باعتبارها توضيحًا إداريًا. الآن أصبحنا نسمع الفراغ حولها.

أنهى فهد الاجتماع بعد دقائق.

عندما خرجنا، اندفع الجميع نحو الصندوق.

فتح بدر هاتفه أولًا.

ظهرت نتيجة آخر عبارة قالها داخل القاعة:

قلق مخفي خلف تأكيد.

أما هاتف فهد، فظل في يده والشاشة موجهة إلى جسده.

قال سالم:

| ايش طلع لك؟

أغلق فهد التطبيق.

| مايخصك.

لم يصدر تنبيه.

كانت تلك أكثر جملة صادقة قالها في الاجتماع.

عاد إلى مكتبه وأغلق الباب.

وقفنا في الممر ننظر إلى بعضنا.

لم نعرف هل ستحدث إعادة هيكلة.

لم يقل VERO ذلك.

كل ما عرفناه أن فهد لم يكن مطمئنًا بالقدر الذي حاول أن يبدو عليه، وأن غياب القرار الرسمي لا يعني غياب شيء يجري خلفه.

كان هذا أول اجتماع في حياتي أفهم فيه كل ما لم يُقَل.


لم يحتج VERO إلى وقت طويل كي يخرج من غرف النوم ومكاتب الموظفين إلى بقية المجتمع.

خلال أسبوع واحد، تجاوز عدد مستخدميه أربعين مليونًا.

وخلال أسبوعين، أصبح التطبيق الأول في معظم المتاجر الرقمية.

وبعد شهر، لم يعد السؤال:

| هل حملت VERO؟

بل:

| لماذا لم تحمله؟

فالإنسان الذي يشغّله قد يكون فضوليًا، أو خائفًا، أو راغبًا في مراقبة غيره.

أما الذي يرفضه، فقد بدا كأنه يعرف شيئًا عن نفسه لا يريد للآخرين أن يعرفوه.

ساعدت الجلسات المشتركة على انتشاره. كان الأصدقاء يجتمعون في المقاهي ويدعون بعضهم إلى مباريات صغيرة من الصراحة. الأزواج يفعلونه في المساء. والمخطوبون يستخدمونه وهم يتحدثون عن المستقبل، كأن الزواج لم يكن معقدًا بما يكفي قبل أن يدخل الطرفان إليه بصحبة محلل انفعالي.

انتشرت مقاطع قصيرة لأشخاص يسألون أصدقاءهم:

| فعلًا كنت مشغول أمس؟

أو:

| المطعم عجبك؟

أو:

| أنت قلت لأحد اللي قلته لك؟

ثم ينتظر الجميع صوت التنبيه.

لم تكن معظم المقاطع تعرض النتيجة الكاملة.

يكفي أن يصدر:

«تن.»

ثم تتجمد الوجوه.

فالوجوه المرتبكة كانت أكثر تسلية من التفسيرات، والتفسير يحتاج إلى قراءة، أما الإحراج فيُفهم من دون صوت.

كان التطبيق يضع تنبيهًا واضحًا قبل كل جلسة:

النتائج احتمالية.

لكن الناس لم يكونوا يصورون هذه الجملة.

كانوا يصورون لحظة الانكشاف فقط.

ولأن VERO كان يخطئ أحيانًا ويصيب أحيانًا أخرى، ظل جذابًا. لو أخطأ دائمًا، لحذفه الناس. ولو أصاب دائمًا، لخافوا منه. أما أن يترك بينهم مساحة من الشك، فقد ضمن أن يعودوا إليه مرة أخرى.

أطلقت الشركة المطورة حملة إعلانية ضخمة.

ظهر الإعلان الأول في كل مكان: على الشاشات المطلة على طريق الملك، وفي المقاطع التي تسبق الأخبار، وعلى اللوحات الرقمية الممتدة قرب الواجهة البحرية في جدة.

في المشهد، كانت امرأة تقف في غرفة المعيشة، تنظر إلى زوجها الذي دخل متأخرًا.

سألته:

| فين كنت؟

أجاب وهو يضع مفاتيحه على الطاولة:

| مع الشباب.

كان كلاهما مشتركًا في جلسة VERO.

ظل الهاتف صامتًا.

نظرت المرأة إلى الشاشة، ثم ارتاحت ملامحها. ابتسمت، واقتربت من زوجها، واحتضنته.

ظهرت الدائرة البيضاء ذات الخط المستقيم.

ثم الشعار:

VERO

B E Y O N D W O R D S

وتحته:

الثقة تبدأ حين ينتهي الشك.

كان إعلانًا ممتازًا.

قصيرًا، أنيقًا، ويقدم للناس الحياة التي كانوا يريدونها: سؤال واحد، إجابة واحدة، وصمت هاتف يحل كل شيء.

لم يعرض الإعلان ما حدث في بقية السهرة.

لم يعرض أن الزوج كان مع أصدقائه فعلًا، لكنه أمضى معظم الوقت يشكو لهم من زوجته.

لم يعرض أنه قال إنه يفضّل التأخر في الخارج على العودة إلى النقاش نفسه في البيت.

ولم يعرض أن المرأة، لو سألته سؤالًا مختلفًا، ربما لم تحصل على النهاية الدافئة ذاتها.

كان VERO قد أكد المكان.

لكنه لم يقل شيئًا عن الرغبة في العودة.

الإعلانات لا تحب السياق.

السياق يطيل مدة المقطع، ويضعف الشعار، ويجبر المنتج على الاعتراف بأن الحقيقة لا تأتي دائمًا في إجابة واحدة.

أما VERO، فكان يُباع بطريقة أبسط:

اسأل.

استمع.

ثم قرر من يستحق ثقتك.

وبحلول نهاية الشهر، أصبح صمت التطبيق عند الإجابة نوعًا جديدًا من الطمأنينة.

لم يعد الناس يقولون:

| صدقني.

صاروا يقولون:

| افتح جلسة.


بعد أيام، حملت مها VERO.

لم تخبرني بأنها ستفعل. دخلت الصالة مساءً فوجدتها جالسة على الأريكة، تنظر إلى الكاميرا وتقول عباراتها الثلاث الأولى.

| اسمي مها صالح.

متوافق.

| عمري سبعة وثلاثون عامًا.

متوافق.

توقفت عند الثالثة.

كنت أقف خلفها، فالتفتت إليّ.

| إيش قلت أنت؟

| ما أذكر.

صدر من هاتفي:

«تن.»

ذاكرة انتقائية.

ابتسمت.

| واضح إنك تذكر.

جلست في المقعد المقابل.

| قلت إني سعيد في حياتي.

| وصدقك؟

| ما كذبني.

«تن.»

نظرت إلى هاتفي، ثم إليّ.

ظهرت العبارة:

وصف منقوص.

قالت:

| إيش قال؟

| قال فيه تعارض بسيط.

سكتت لحظة.

ثم أعادت نظرها إلى شاشة هاتفها.

| طيب، إيش أقول؟

| أي شيء صحيح.

فكرت قليلًا، ثم قالت:

| أنا أحب عائلتي.

ظل التطبيق صامتًا.

ظهرت:

متوافق.

ابتسمت مها.

لم أعرف لماذا شعرت بالارتياح، مع أن العبارة لم تكن موجهة إليّ وحدي، ولا كنت أشك فيها أصلًا.

في اليوم التالي، حملته سارة أيضًا.

قالت إنها تريد أن تعرف لماذا كان والدها يستطيع قول كلام لا يقتنع به، بينما تُعاقب هي على رسالة لم تستطع إثبات وجودها.

جلست نصف ساعة تبني نموذجها، ثم دخلت مع مها في أول جلسة مشتركة.

كنت في المطبخ حين سمعت مها تسألها:

| خلصتِ واجبك؟

قالت سارة:

| أيوه.

صدر الصوت من هاتفها:

«تن.»

ظهرت:

إجابة مبكرة.

قالت سارة بسرعة:

| خلصت أغلبه.

ظل الهاتف صامتًا.

قالت مها:

| إيش الباقي؟

| سؤالين رياضيات.

| أجل كيف خلصتِ؟

| يعني تقريبًا.

قالت مها:

| من اليوم لا تقولي خلصتِ إلا إذا خلصتِ.

قالت سارة:

| من اليوم لا تسألين السؤال وأنتِ عارفة الإجابة.

بقي هاتفها صامتًا.

دخلت الصالة فوجدت مها تنظر إليها، بينما تحاول سارة ألا تبتسم.

قلت:

| واحد واحد. لا تخلصون على بعض من أول أسبوع.

قالت مها:

| التطبيق مفيد.

نظرت إلى هاتفها.

لم يصدر شيء.

قالت سارة:

| أحيانًا.

ظل هاتفها صامتًا أيضًا.

كانتا قد وجدتا أول جملة تتفقان عليها.

بعد يومين، أصر راكان على تحميله لأنه رأى أن الجميع حصلوا على تطبيق جديد إلا هو. جلسنا معه أثناء إعداد الحساب، ثم طلب منه الهاتف قول ثلاث عبارات صحيحة.

قال:

| اسمي راكان.

متوافق.

| عمري تسع سنوات.

متوافق.

ثم قال بثقة:

| أنا ما أخاف من شيء.

«تن تن.»

ظهرت:

شجاعة مبالغ فيها.

ضحكت سارة.

قال راكان:

| التطبيق غبي.

لم يصدر شيء.

قالت سارة:

| هذه صدقك فيها.

منذ ذلك اليوم، أصبحت مها تستخدم الجلسات المشتركة في الأسئلة التي اعتادت أن تكررها كل مساء.

| غسلت أسنانك؟

| أيوه.

«تن.»

| رتبت غرفتك؟

| تقريبًا.

«تن.»

فوضى مخففة لغويًا.

| كسرت الكوب؟

| طاح لحاله.

«تن تن.»

مسؤولية محذوفة.

اكتشفت مها أن VERO يوفر عليها وقتًا طويلًا من التحقيقات المنزلية.

أما الأطفال، فاكتشفوا شيئًا آخر.

الإجابة الدقيقة لا تعني دائمًا قول كل شيء.

صار راكان يقول:

| دخلت الحمام عشان أغسل أسناني.

وكان ذلك صحيحًا، حتى لو خرج منها من دون أن يفتح معجون الأسنان.

وصارت سارة تقول:

| فتحت كتاب الرياضيات.

من دون أن تدّعي أنها قرأت منه شيئًا.

لم يتوقف الكذب داخل البيت.

تغيرت صياغته فقط.

وفي أقل من أسبوع، أصبح أطفالي يتحدثون مثل محامين صغار، بينما كانت مها تظن أن التربية أصبحت أسهل.


في مساء الخميس، كنت أرتدي ثوبي أمام المرآة، بينما تصلني رسائل ماجد كل دقيقتين.

| وينك؟

| الشباب كلهم وصلوا.

| لا تقول مها ما أعطتك خروج.

أغلقت الشاشة قبل أن يقرأ VERO الرد الذي كنت أفكر فيه.

كانت مها في الصالة تتابع برنامجًا مع سارة، بينما يرسم راكان على الطاولة أمامهما. مررت متجهًا إلى الباب، فرفعت مها عينيها نحوي.

| فين رايح؟

| الاستراحة.

| أي استراحة؟

| استراحة وليد. في أبحر.

| مين موجود؟

| ماجد والشباب.

انتظرت السؤال التالي.

بعد الزواج بسنوات، يصبح الرجل قادرًا على معرفة ترتيب الأسئلة من نبرة السؤال الأول.

قالت:

| متى ترجع؟

| بدري.

صدر الصوت من هاتفي.

«تن.»

ظهرت العبارة:

نية بلا موعد.

نظرت مها إلى الشاشة.

| بدري يعني كم؟

| قبل اثناعش.

ظل الهاتف صامتًا.

أشرت إليه.

| شفتِ؟

| شفت إنك عرفت تحدد لما اضطريت.

عدت إلى هاتفي لأخبر ماجد أنني في الطريق، فظهر إشعار من VERO:

دعتك مها إلى جلسة مشتركة.

رفعت رأسي.

كانت تمسك هاتفها وتنتظر.

| ليه جلسة؟

| سؤال واحد.

| اسألي من غير جلسة.

| وليه من غير جلسة؟

لم أملك إجابة تصلح أمام التطبيق، فضغطت على القبول.

ظهر اسمان على الشاشة:

ناصر — مها.

قالت سارة من الأريكة:

| نقدر نسمع؟

قالت مها:

| كملي برنامجك.

خفضت سارة صوت التلفاز بدلًا من ذلك.

قالت مها:

| أنت تنبسط معنا؟

نظرت إليها.

| أكيد.

ظل هاتفي صامتًا.

ظهر:

متوافق.

تحرك شيء صغير في وجهها. ربما ارتياح، وربما استعداد للسؤال الحقيقي.

قالت:

| تنبسط معنا أكثر، ولا مع أصحابك؟

كان سؤالًا بسيطًا في تركيبه، لكنه من النوع الذي لا يحمل إجابة نافعة.

لو قلت أصدقائي، خسرت.

ولو قلت عائلتي، دخل VERO بيننا.

قلت:

| كل واحد له جو مختلف.

لم يصدر تنبيه.

قالت مها:

| هذا مو جواب.

| هو الجواب الحقيقي.

ظل الهاتف صامتًا.

| طيب لو لازم تختار؟

| ليه لازم أختار؟

| مجرد سؤال.

كان ماجد قد أرسل ثلاث رسائل أخرى.

فتحت آخر واحدة.

| نحسبك انسحبت من الحياة الاجتماعية.

أغلقتها.

قالت مها:

| ناصر؟

تنهدت.

| معكم أكثر طبعًا.

«تن.»

ظهرت على الشاشة:

إجابة لإرضاء السائل.

لم تضحك سارة هذه المرة.

نظرت مها إلى هاتفي، ثم إليّ.

| يعني تنبسط معهم أكثر؟

| مو بهذه البساطة.

| التطبيق يقول إن جوابك مو صادق.

| يقول إني قلته عشان أرضيك. ما قال إني ما أنبسط معكم.

| لأنك ما جاوبت بصدق من البداية.

وضعت مفاتيحي على الطاولة.

| طيب. مع الشباب أرتاح أكثر أحيانًا.

بقي الهاتف صامتًا.

نظرت مها بعيدًا عني.

قالت:

| ترتاح من إيش؟

| مو منكم. من المسؤولية.

ظل التطبيق صامتًا.

أكملت قبل أن تفهم الجملة بالطريقة الأسوأ:

| في البيت أنا زوج وأب. أحد يبغى توصيل، وأحد عنده واجب، وأحد يسألني عن فاتورة أو موعد أو شيء نسيته. مع الشباب أجلس وخلاص. محد يحتاج مني شيء.

قالت سارة:

| أنا ما أطلب توصيل كثير.

نظرت إليها مها.

عادت سارة إلى التلفاز ورفعت الصوت.

قالت مها:

| يعني وجودنا مسؤولية، ووجودهم راحة؟

| أحيانًا. وإنتِ بعد ترتاحين لما تطلعين مع صاحباتك.

| أنا ما قلت إني أنبسط معهم أكثر منكم.

| لأن محد سألك بالسؤال هذا.

نظرت إلى هاتفها.

ثم قالت:

| أنا أنبسط مع عائلتي أكثر من صاحباتي.

ظل هاتفها صامتًا.

ظهرت:

متوافق.

لم تكن مها تتفاخر.

كانت تجيب فقط.

وهذا جعل النتيجة أثقل.

قلت:

| الناس مو نسخة من بعض.

| ما قلت لازم تكون مثلي.

سكتت لحظة، ثم أنهت الجلسة.

اختفى الاسمان من الشاشة، وعادت الدائرة البيضاء وحدها.

أخذت مفاتيحي من الطاولة.

قالت مها:

| روح. الشباب ينتظرونك.

| زعلتي؟

| لا.

صدر الصوت من هاتفها.

«تن.»

ظهرت:

أثر واضح.

نظرت مها إلى النتيجة، ثم أغلقت التطبيق.

| روح يا ناصر.

خرجت من البيت، وأغلقت الباب خلفي بهدوء.

كان يفترض أن أذهب إلى الاستراحة لأرتاح من الأسئلة.

لكن سؤالًا واحدًا خرج معي.


في المصعد، فتحت محادثتي مع ماجد وكتبت:

| التطبيق هذا بيخرب الدنيا.

جاء رده قبل أن يصل المصعد إلى الطابق الأرضي:

| ليه؟ كشفوك؟

كتبت:

| ما كشف شيء. الناس هي اللي ما تعرف تسأل.

أرسلتها، ثم أعدت قراءة الجملة.

بدت ذكية.

وهذه إحدى المشكلات التي سبقت VERO بسنوات: يكتب الإنسان عبارة قصيرة في محادثة، ثم يقتنع أنه فهم المجتمع وحل مشكلاته.


كانت استراحة وليد في أبحر، داخل حي هادئ لا يشبه الطريق المؤدي إليه. وصلت متأخرًا، بعد أن قضيت معظم الطريق أتنقل بين زحام شارع الأمير سلطان ورسائل ماجد التي توحي بأن غيابي عطّل الأمسية كلها.

وجدتهم في الفناء الخارجي.

كان ماجد وطارق وحمد وياسر يجلسون حول طاولة عليها أكواب شاي وعلب طعام مفتوحة، بينما تدور مباراة على شاشة كبيرة لا يشاهدها أحد.

قال ماجد فور أن رآني:

| حي الله المقفوط.

قال حمد:

| شكله جاء بعد جلسة تحقيق.

جلست ووضعت هاتفي على الطاولة.

| الله يصلح اللي أرسل لنا التطبيق.

رفع ماجد يده.

| العفو.

كان الجميع يتحدث عن VERO.

قال طارق إن خطيبته طلبت منه إبقاء الجلسة المشتركة مفتوحة طوال مكالمة الفيديو.

قال:

| سألتني إذا كنت أفكر فيها وأنا في الدوام.

قال ياسر:

| وإيش قلت؟

| قلت أحيانًا.

ضحك ماجد.

| إجابة واحد يبغى يكمل الليلة، بس ما يبغى التطبيق يفضحه.

قال طارق:

| أحسن من إني أقول طول الوقت. مين يفكر في أحد طول الوقت؟ حتى الإنسان ما يفكر في نفسه طول الوقت.

قال حمد إن مديره صار يمر على الموظفين كل صباح ويسألهم إن كانوا سعداء في العمل.

قلت:

| وليه يسأل؟

| يقول يبغى يقيس الرضا الوظيفي.

قال ياسر:

| وأنتم تجاوبونه؟

| نقول له: الحمدلله.

| والتطبيق؟

| ما يطلع شيء. الحمدلله ما تعني إننا سعداء. تعني إننا ما نبغى ننفصل من العمل.

ضحكنا.

قال ياسر إن والدته حذفت VERO بعد يومين فقط.

سأله ماجد:

| ليه؟

| سألت الوالد إذا كان يحب طبخها.

قال طارق:

| وانكشف؟

| ما انكشف. قال يحب بعض أكلاتها.

| إجابة ممتازة.

| هي سألته: أي أكلات؟

صمت ياسر لحظة، ثم قال:

| ما تذكر شيء.

ضحكنا مرة أخرى.

قلت:

| المشكلة مو في كشف الكذب.

قال حمد:

| أجل في إيش؟

| في الأسئلة اللي ما كان لازم نسألها أصلًا.

قال ماجد:

| هذا كلام واحد انكشف قبل ما يطلع من البيت.

تعالت الضحكات.

فتحت علبة الماء وشربت، متظاهرًا بأن الموضوع لا يعنيني.

مد ماجد هاتفه نحوي.

| خلنا نجرب.

| نجرب إيش؟

| هل أنت سعيد في زواجك؟

نظرت إليه.

| انقلع.

| تهرب من الإجابة.

| لأن السؤال غبي.

| سؤال بسيط.

| ما فيه شيء اسمه سؤال بسيط.

قال حمد:

| أجب يا أستاذ الفلسفة.

شعرت بنظراتهم تتجمع عليّ.

كان من السهل أن أقول نعم.

وكنت أعرف أن هاتفي سيصدر صوته.

ليس لأنني تعيس مع مها، بل لأن السعادة ليست حالة ثابتة يمكن وضعها في خانة: نعم أو لا.

أنا أحبها.

وأضيق بها.

أشتاق إليها عندما تغيب.

وأتمنى أحيانًا لو خرجت من الغرفة وتركتني وحدي.

أشعر أن زواجي أنقذني من الوحدة، وفي أيام أخرى أشعر أنه منحني نوعًا أكثر تنظيمًا منها.

هل كنت سعيدًا؟

قلت:

| أحيانًا.

ظل هاتفي صامتًا.

قال ماجد:

| يا سلام! تعلمت تجاوب إجابات سياسية.

| هذه الحقيقة.

قال:

| الحقيقة إنك خايف.

صدر الصوت من هاتف ماجد.

«تن.»

نظرت إليه وضحكت.

| حتى أنت تكذب.

تفحص ماجد شاشته.

ظهرت العبارة:

استنتاج بلا يقين.

قال:

| هذا مو كذب.

قلت:

| مبروك. بدأت تفهم.


عند منتصف الليل، خفّ صوت المجلس، وانتهت المباراة التي لم يتابعها أحد.

كان حمد يجمع الأكواب، بينما يبحث طارق عن مفاتيحه، حين ظهر إعلان عاجل على الشاشة:

مؤسس VERO يتحدث لأول مرة.

قال ماجد:

| ارفع الصوت.

جلسنا من جديد.

ظهر آدم حسان في الاستوديو. كان في الثانية والثلاثين تقريبًا، يرتدي قميصًا بلا ربطة عنق، ويبتسم بهدوء شخص يعرف أن ملايين الناس ينتظرون منه تفسيرًا لتطبيق يعرف عنهم أكثر مما يعرفون عنه.

إلى جواره على الشاشة ظهرت الدائرة البيضاء والخط المستقيم.

كان حساب آدم موصولًا بجلسة VERO مباشرة، ووافق على عرض نتائجه أثناء المقابلة.

قالت المذيعة:

| هل يدعي تطبيقكم أنه لا يخطئ؟

ابتسم آدم.

| لا يوجد نظام لا يخطئ.

بقيت نتيجة VERO صامتة.

قال ياسر:

| بداية آمنة.

تابعت المذيعة:

| ما نسبة دقة التطبيق؟

| تجاوزت تسعة وتسعين فاصل سبعة بالمئة في الاختبارات المعتمدة.

لم يصدر تنبيه.

قال ماجد:

| الرجال حافظ إجاباته.

قال حمد:

| طبيعي. هو اللي صنع الأسئلة والأجوبة.

انتقلت المذيعة إلى السؤال الذي كان الناس يطرحونه منذ إطلاق التطبيق:

| هل تجمعون بيانات المستخدمين؟

قال آدم:

| بالقدر الضروري لتقديم الخدمة فقط.

صدر الصوت في الاستوديو.

«تن.»

ظهرت النتيجة إلى جواره:

تقليل متعمد.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

ضحكت المذيعة بتوتر، كما يضحك الإنسان حين يقع الإحراج لشخص آخر، لكنه لا يعرف هل سيتحول إليه بعد لحظة.

أما آدم فضحك أيضًا.

| كما قلت، لا يوجد نظام لا يخطئ.

صدر تنبيه آخر.

«تن.»

ظهرت:

دفاع غير محايد.

لم تضحك المذيعة هذه المرة.

اقتربت قليلًا من الطاولة.

| هل أخطأ التطبيق الآن؟

قال آدم:

| نعم.

ظل VERO صامتًا.

رفع ماجد حاجبيه.

| ذكي.

لكن المذيعة لم تتوقف.

| هل تجمع شركتكم بيانات أكثر مما يحتاجه التطبيق لتقديم الخدمة؟

سكت آدم لثانيتين.

ثم قال:

| نحن نلتزم بجميع السياسات المعلنة للمستخدمين.

بقي VERO صامتًا.

قال طارق:

| ما جاوب.

قلت:

| لكنه ما كذب.

قال ماجد:

| وهذا اللي كنت تقوله من أول الليل.

نظرت إليه.

| فيه أسئلة تقدر تهرب منها من غير ما تقول شيء غلط.

عادت المذيعة إلى السؤال بصيغة أقصر:

| هل تجمعون بيانات غير ضرورية؟

قال آدم:

| لا.

انطلق التنبيه الحاد.

«تييييت.»

ظهرت أمام اسمه:

نفي غير متوافق.

ساد الاستوديو صمت قصير.

وساد مجلسنا صمت أطول.

نظرت المذيعة إلى الشاشة، ثم إلى آدم.

| هل كذبت الآن؟

قال:

| لا.

«تييييت.»

هذه المرة لم تظهر ابتسامته.

أمسك ماجد هاتفه قبل أن تنتهي المقابلة.

| المقطع انتشر.

خلال دقائق، امتلأت المنصات بالثواني الأخيرة منها.

كان أنصار VERO يعيدون نشر المقطع ويكتبون أن أعظم دليل على نزاهة التطبيق أنه لم يحمِ مؤسسه.

أما معارضوه فقالوا إن الرجل الذي بنى آلة لكشف الكذب لا يستطيع أن يشرح طريقة عملها من دون أن تكشفه.

قال حمد:

| كل فريق شاف اللي يبغاه.

قلت:

| لأن الاثنين معهم حق جزئي.

نظر ماجد إلى هاتفي.

| قلها في جلسة.

| لا تستفزني.

بعد أقل من ساعة، نشرت شركة VERO بيانًا رسميًا:

| التنبيهات التي ظهرت أثناء المقابلة نتجت عن تداخل تقني في بيئة الاستوديو، ولا تعكس دقة النظام في ظروف الاستخدام المعتادة.

فتحت البيان.

ظهر على هاتفي إشعار جديد:

تحديث VERO متاح.

وتحته:

تحليل النصوص.

قبل أن أستوعب معنى العبارة، تحرك الخط داخل الدائرة.

صدر الصوت.

«تن.»

ظهرت نتيجة البيان:

تبرير بلا دليل.

حدقت في الشاشة.

لم يعد التطبيق يحتاج إلى أن يسمع الإنسان.

صار يكفيه أن يقرأ ما كتب.

قلت لنفسي:

| نحن في مصيبة.

ظل VERO صامتًا.

وكان صمته أكثر شيء أخافني.


نهاية الفصل الأول

هل كل حقيقة تستحق أن تُعرف؟ أم أن بعض العلاقات لا تستمر إلا بوجود مساحة لما لا يُقال؟


2 تعليقات

اكتب تعليقًا